ابن أبي الحديد

70

شرح نهج البلاغة

وما تمنيت فقد أعطيت * إن تفعلي فعلهما هديت * وإن تأخرت فقد شقيت * ثم نزل عن فرسه فقاتل ، فأتاه ابن عم له ببضعة من لحم ، فقال اشدد بهذا صلبك . فأخذها من يده فانتهش ( 1 ) منها نهشة ثم سمع الحطمة ( 2 ) في ناحية من الناس ، فقال : وأنت يا بن رواحة في الدنيا ! ثم ألقاها من يده وأخذ سيفه ، فتقدم فقاتل حتى قتل ( 3 ) . قال الواقدي : حدثني داود بن سنان ، قال : سمعت ثعلبة بن أبي مالك يقول : انكشف خالد بن الوليد يومئذ بالناس حتى عيروا بالفرار ، وتشاءم الناس به . قال : وروى أبو سعيد الخدري ، قال : أقبل خالد بالناس منهزمين ، فلما سمع أهل المدينة بهم تلقوهم بالجرف ، فجعلوا يحثون في وجوههم التراب ويقولون : يا فرار ، أفررتم في سبيل الله ! فقال رسول الله صلى الله عليه وآله : ليسوا بالفرار ، ولكنهم كرار ، إن شاء الله . قال الواقدي : وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة : ما لقي جيش بعثوا مبعثا ما لقي أصحاب مؤتة من أهل المدينة ، لقوهم بالشر ، حتى أن الرجل ينصرف إلى بيته وأهله فيدق عليهم فيأبون أن يفتحوا له يقولون : ألا تقدمت مع أصحابك فقتلت ، وجلس الكبراء منهم في بيوتهم استحياء من الناس ، حتى أرسل النبي صلى الله عليه وآله رجلا ، يقول لهم : أنتم الكرار في سبيل الله . فخرجوا . قال الواقدي : فحدثني مالك بن أبي الرجال عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم ، عن أم جعفر بنت محمد بن جعفر ، عن جدتها أسماء بنت عميس ، قالت : أصبحت في اليوم الذي أصيب فيه جعفر وأصحابه ، فأتاني رسول الله صلى الله عليه وآله وقد منأت أربعين منا من أدم وعجنت عجيني ، وأخذت بنى ، فغسلت وجوههم ودهنتهم ، فدخلت على

--> ( 1 ) انتهش منها : أخذ بفمه يسيرا . ( 2 ) الحطمة : زحام الناس . ( 3 ) يسيرة ابن هشام 3 : 434 ، 435 .